قليل من التضخم قد لا يضرّ !

قليل من التضخم قد لا يضرّ !

حيدره حرفوش


لطالما أدركنا في الجامعات أو عبر النشرات الاقتصادية و الحوارات السياسية سلبيات التضخم و آثاره المدمّرة على الاقتصاد , فظاهرة التضخم و التي يتم تعريفها بالكثير من الطرق بناءاً على المتغيرات الاقتصادية المدروسة (ارتفاع مستمر لمستويات الأسعار , زيادة مستمرة للطلب الكلي عن العرض الكلي للسلع و الخدمات , …الخ ) هي ظاهرة تسبب انخفاض القوة الشرائية للعملات و انخفاض الأجور الحقيقية و انحدار معدلات الاستثمار و هبوط سعر الصرف و عجز ميزان المدفوعات و غيرها من النتائج السلبية التي تعتبر نتائجاً مؤكدة الحدوث لحالة تضخم بمعدلات عالية ولا تحتاج للنقاش و ما زلنا نعاصر معظمها في الوقت الحالي في سوريا , إلا أنه يوجد بالمقابل أيضاً آثار إيجابية للتضخم بحال كان مدروساً و محصوراً ضمن نطاق معتدل .

 فقد نشأ في تسعينيات القرن الماضي مصطلح “التضخم المستهدف” , والذي يعني إعلان السلطات النقدية لاستهداف الوصول لمعدل تضخم منخفض و محدد خلال العام ” غالباً ما يكون بنسبة 2% – 4%  تختلف باختلاف الظروف الاقتصادية للبلد المعني ” , و اتخاذ القرارات المالية و النقدية على هذا الأساس .

 و قد تم تبني هذه السياسة لوضع الخطط متوسطة الأمد من قبل العديد من البنوك المركزية كالبنك المركزي البريطاني و الأوسترالي و الروسي و البنك المركزي الأوروبي وصولاً للفيدرالي الأميركي .

 فانطلاقاً من أن البطالة تعتبر من أهم العوامل المسببة للركود و من بعده الانهيار الاقتصادي تم اعتماد مبدأ “التضخم المستهدف” أو “التضخم المعتدل” لتحريك عجلة النمو الاقتصادي من خلال التحكم بالدرجة الأولى بأسعار صرف العملات و أسعار الفائدة بغرض الوصول لمعدل تضخمي واضح و مخطط له .

سنعرض بمقال لاحق تفاصيل رسم سياسة التضخم المستهدف من قبل المصرف المركزي و أدواتها و تاريخها و بعض الانتقادات الموجهة لهذه السياسة رغم تطبيقها على أرض الواقع حتى الوقت الراهن في معظم بلدان العالم الأول . أما اليوم فسنتطرّق لشرح مبسّط لدور التضخم المعتدل في التأثير على بعض متغيّرات الاقتصاد الكلي .

آلية تأثير التضخم المعتدل على حجم الانتاج و معدلات البطالة :

لندرك دور التضخم الإيجابي في هذا الجانب علينا بداية افتراض وجود الحالة الاقتصادية المعاكسة وهي الانكماش  و الذي يعني انخفاض مستمر بمستويات الأسعار , و هي حالة تثبط العملية الإنتاجية و تشلّ الحركة الاقتصادية.

 فلو فرضنا أنك أردت شراء سيارة في بلد يعاني من حالة انكماش اقتصادي بسعر 15000$ عام 2017 , نفس السيارة سيكون سعرها 11000$ عام 2018 , و سينخفض سعرها لـ 9000$  عام 2019 و من الممكن أيضاً أن تنخفض قيمتها للسعر الأخير بفترة زمنية أقصر بكثير تبعاً للظروف الاقتصادية المؤثرة .

مما سيجعلك تمتنع عن الشراء الفوري و تنتظر إلى أن يتم تسعير السيارة بأقل سعر ممكن , فنلاحظ هنا أن عملية الاحتفاظ بالأموال و التريث المبالغ فيه بالإنفاق سيخفض الطلب على السلع و الخدمات ليجعله يكاد يقتصر على السلع الأساسية “السلع عديمة المرونة” مما سيدفع المنشآت و المصانع لخفض الإنتاج الذي سيؤدي للتخلص من جزء من اليد العاملة و رفع مستويات البطالة بالمحصّلة .

أما بحالة التضخم المعتدل , فإن ارتفاع أسعار السلع و الخدمات سيدفع بالمستهلكين للحصول عليها سريعا ً قبل وصول الأسعار لمستويات أعلى , ما يعني زيادة الطلب الذي سيدفع المنشآت لزيادة حجم الإنتاج و بالتالي زيادة الطلب على الأيدي العاملة و هنا تبدأ عملية دفع معدل النمو الاقتصادي للأمام , فزيادة الطلب على الأيدي العاملة ستولّد ارتفاعاً بمستويات الأجور و زيادة عدد العاملين طبعاً , أي زيادة أكبر للطلب على السلع و الخدمات مما يدفع المؤسسات الإنتاجية (شركات , مصانع , مزارع … الخ) إلى استغلال أكبر للموارد المتاحة (مواد خام , تقنيات , أراضي..) بغرض زيادة الأرباح التي ستؤدي لزيادة هامش الادخار وبالتالي زيادة حجم الاستثمار .

وصلنا هنا لمرحلة ازداد فيها الطلب على السلع و الخدمات فنظرياً سيؤدي ذلك مرة أخرى لارتفاع المستويات العامة للأسعار . إلا أن ذلك لا يحدث عملياً حيث يقابله بنفس الوقت زيادة المعروض من السلع و الخدمات نتيجة الميل لاستغلال أوسع للموارد و زيادة حجم الاستثمار إضافة للضوابط التي يفرضها تدخل الدولة وهذا ما يلعب دوراً بخفض المستويات العامة للأسعار .

إن زيادة الأرباح تدفع بالمنشآت للتوسع في أعمالها , و زيادة حجم الاستثمار تتيح إمكانية إحلال مشاريع جديدة بمختلف المجالات , و هذا ما يؤدي مرة أخرى لزيادة الطلب على العمل لتكتمل حلقة النشاط الاقتصادي السليمة و بالتالي تحقيق معدلات نمو إيجابية في الناتج المحلي الإجمالي .

إمكانية التحكم بمستويات الأجور :

تتطلب المتغيرات الاقتصادية في بعض الظروف تخفيضات بمستويات الأجور لأسباب عديدة منها الحفاظ على الميزة التنافسية للسلع في السوق المحلية , أو تخفيض سعر صرف العملة المحلية بغرض دعم الصادرات و غيرها …

في حالة التوازن يتطلب تخفيض الأجور اقتطاعاً مباشراً سيؤدي بشكل طبيعي لاحتجاجات و رفض من قبل العاملين لذا فهو غير قابل للتطبيق واقعياً , إلا أن التضخم الإيجابي المعتدل يسهّل ذلك فزيادة الأجور بنسبة 2%  خلال عام مع معدل تضخم 4% له نفس النتيجة بحال خفض الأجور بمعدل 2% بحالة التوازن (أي معدل تضخم  (0%, وهذا ما يعتبر اقتطاعاً حقيقياً للأجور .

مصلحة الحكومة :

يمكن بوجود التضخم المعتدل زيادة حجم العائد من الضرائب المفروضة من قبل الدولة , ورغم انخفاض القوة الشرائية للعملة نتيجة التضخم الحاصل , إلا أن الفائض من عوائد الحكومة يعدل ذلك الانخفاض و يتيح للدولة إمكانية أكبر للإنفاق و الاستثمار و التوظيف .

إضافة لأن أسعار الفائدة التي تحددها الدولة على القروض المباشرة و السندات الحكومية غالباً ما تكون ثابتة و غير معنية بحالة التضخم الموجودة بالبلد , مما يتيح للتضخم المعتدل أن يساعد الدولة بتخفيض عبء الديون الناتج عن تخفيض القوة الشرائية للعملة المحلية وبالتالي زيادة حجم العائد مرة أخرى .

تجدر الإشارة إلى أن استهداف معدلات محددة من الضخم قد يكون حلاً للخروج من حالة الركود الاقتصادي و قد يكون أداة للوقاية من الوصول لهذه الحالة أيضاً , إلا أن استخدام هذه الأداة يتطلب إدارة واعية من قبل الحكومة و المصرف المركزي , و اتباع سياسة مالية و نقدية غاية في الشفافية و الدقة . كما أن اتباع سياسة التضخم المستهدف لا يمكن أن يستمر على المدى الطويل , فالارتفاع المستمر لمستوى الإنفاق العام و مستوى الأسعار العام على المدى الطويل سيؤدي بنهاية المطاف للدخول في دوامة تضخمية يصعب الخروج منها , فقد تكون النسبة (2%)نسبة ضئيلة , لكن اعتماد هذه النسبة بوضع السياسات الاقتصادية العامة سيؤدي على البعيد “عشرين عشرين عام مثلاً” للوصول لمستويات أسعار خيالية و اتساع كبير لشريحة السكان تحت خط الفقر و انهيار اقتصادي حتمي أخيراً.

مصادر :

https://www.economicshelp.org/

http://www.frbsf.org