اقتصاديات ما بعد النفط و ضرورة التنويع الاقتصادي

اقتصاديات ما بعد النفط و ضرورة التنويع الاقتصادي

تعود بنا الذاكرة إلى أيام المدرسة عندما كنا نسمع من معلمينا أن عصر النفط سينتهي بعد عقد أو عقد ونيف من الزمن ، ومنذ ذلك الحين و عام بعد آخر نرى تزايداً في كميات النفط المستخرج بل و تزايداً أيضاً في الاحتياطيات المكتشفة ، و هذا هو الواقع مهما كانت دهشة البعض ، وعلى ما يبدو أن تاريخ نفاد النفط يؤجل من وقت إلى آخر دون دلائل واضحة وراسخة حول ذلك التوقيت …

ولكن رغم ذلك ، هل ما نزال في مرحلة تسمح للدول النفطية بالاستمرار في اعتمادها على العوائد النفطية كعنصر أساسي أو حتى شبه وحيد في حصيلة ناتجها المحلي الإجمالي ؟؟! هل ما زال عرش البترول صامداً في وجه التحول الاقتصادي الذي شهده العالم منذ مطلع القرن الواحد والعشرين ؟؟!

في البداية : فقد شهدت الفترة الأخيرة أزمة اقتصادية حادة عصفت باقتصاد بعض الدول النفطية وعلى رأسها دول مجلس التعاون الخليجي فمنذ منتصف 2014 حتى الآن تراجعت أسعار النفط العالمية بشكل حاد بأكثر من 50٪ من قيمتها ، فقد انخفض من 110 دولاراً لأقل من 50 دولاراً للبرميل .
وقد أعلنت الكويت تسجيل عجز في ميزانيتها للسنة المالية 2015- 2016، وذلك للمرة الأولى منذ 16 عاماً، في ظل تراجع أسعار النفط عالمياً ، بحسب تصريحات لوزير المال أنس الصالح نقلها الإعلام الرسمي.

وبلغ عجز الميزانية العامة 4,6 مليار دينار ( 15,3 مليار دولار ) في السنة المالية التي تنتهي في 31 آذار ، والعجز هو الأول في ميزانية الكويت منذ السنة المالية 1998-1999 .

حيث شكلت الإيرادات النفطية 89% من مجمل الإيرادات العامة في السنة المالية الأخيرة ، في مقابل 95% خلال العام الذي سبق .

إذاً : فمن الواضح مدى خطورة الاعتماد على الموارد النفطية كمحور أساسي لعجلة الاقتصاد ، بسبب تذبذب أسعاره وعدم الانتظام في كميات إنتاجه في السوق العالمية ، بالتالي فإن مشكلة الدول النفطية لا تكمن فقط باحتمال نضوب هذا المورد الطبيعي الاقتصادي الهام ، بل تتعدى ذلك لتبين صعوبة الاعتماد عليه كمورد أساسي لتغطية أعبائها لعدم القدرة على إحكام السيطرة عليه بالإضافة إلى احتمال تراجع الإنتاج مستقبلاً وسط تزايد الإنتاج في الوقت الحالي و زيادة استهلاك الطاقة عالمياً …

 ومن هنا  نجد ضرورة قيام هذه الدول وغيرها من الدول ذات الاقتصاديات الريعية بإصلاح بناها الاقتصادي ، وضرورة الانتقال التدريجي من التركيز نحو التنويع الاقتصادي والاعتماد على قطاعات أخرى من أجل التقليل من التأثيرات السلبية للتقلبات في الأسعار ، أو الأزمات الاقتصادية المحتملة .

  • . ما هو التنويع الاقتصادي ، وما هي أهدافه ، وما هي أنواعه :

بصفة عامة ، يقصد بالتنويع الرغبة في تحقيق عدد أكبر لمصادر الدخل والتي من شأنها أن تعزز قدرات الدولة ضمن إطار التنافسية العالمية، وذلك عبر محاولات رفع القدرات الإنتاجية في قطاعات متنوعة ، وهو يقوم على الحاجة إلى الارتقاء بواقع عدد من هذه القطاعات تدريجياً لتكون بدائل يمكنها أن تحل حمل المورد الوحيد ، بمعنى أن التنويع الاقتصادي هو العملية التي تشير إلى اعتماد مجموعة متزايدة من القطاعات تتشارك في تكوين الناتج المحلي الإجمالي .

يمكن تلخيص الأهداف الرئيسية للتنويع الاقتصادي في ما يلي :

1 ـ التقليل من نسبة المخاطر الاقتصادية والمقدرة على التعامل مع الأزمات ، مثل تقلبات الأسعار ، أو الجفاف بالنسبة للموارد الطبيعية ، أو تدهور النشاط الاقتصادي في الأسواق العالمية …
2 ـ تحسين وضمان استمرار وتيرة التنمية من خلال تطوير قطاعات متعددة ومتنوعة كمصدر للدخل وللنقد الأجنبي ولعائدات الميزانية العامة، ورفع قيمتها المضافة في الناتج المحلي الإجمالي وتشجيع الإستثمار فيها .

3 ـ تحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع والخدمات ، وزيادة الصادرات ، والتقليل من الاعتماد على الخارج في استيراد السلع الاستهلاكية ، وتوفير فرص العمل وبالتالي تحسين مستوى معيشة الأفراد .

4 ـ تمكين القطاع الخاص من لعب دور مهم وأكبر في العملية الاقتصادية وتقليص دور الدولة والسلطات العامة .

يمكن التمييز بين نوعين من أنواع التنويع الاقتصادي :

أ • التنويع الأفقي : ويطلق على توزيع الاستثمار على أدوات من نفس الفئة ، أي على سبيل المثال قطاع البترول و عمليات التكرير الملحقة به .

 ب • التنويع الرأسي: ويطلق على توزيع الاستثمار على قطاعات متنوعة كالزراعة والصناعة والخدمات أو فئات مختلفة من الأدوات الاستثمارية كالأسهم والسندات.

  • المتغيرات المؤثرة بالتنويع الاقتصادي و معوقاته :

يسرد تقرير اللجنة الاقتصادية لأفريقيا بالأمم المتحدة حول التنويع (2006) خمس فئات من المتغيرات التي تؤثر على عملية التنويع ، وهي:

– العوامل المادية: الاستثمار ورأس المال البشري .

– السياسات العمومية: السياسات المالية والتجارية والصناعية.

– متغيرات الاقتصاد الكلي: سعر الصرف والتضخم والتوازنات الخارجية . 

– المتغيرات المؤسسية: الحوكمة، والبيئة الاستثمارية والوضع الأمني .

– الوصول إلى الأسواق: درجة الانفتاح على التجارة في السلع والخدمات ورأس المال والحصول على التمويل.

 خلاصة القول ، فإن غياب قطاع خاص حيوي وقوة عاملة ماهرة ومتطورة وبيئة مؤسسية وقانونية مشجعة وكذلك عدم الاستقرار في الاقتصاد الكلي ، كارتفاع معدلات التضخم ، لا يساعد على إنشاء وتطوير صناعات جديدة أو خلق مناخ ملائم لعملية تنويع الأعمال .

كما أن نجاح التنويع الاقتصادي يتطلب توافر الخدمات المساندة والأساسية مثل التعليم والتدريب والخدمات الصحية بما يساهم في رفع معدات الإنتاج والإنتاجية. كما يتطلب أيضاً توفر بنية تحتية متطورة من الخدمات المواصلات والاتصالات والمنافع العامة وغيرها .

إذاً : فالتنويع الاقتصادي يشكل تحدياً حقيقياً أمام الدول النفطية و غير النفطية ذات البناء الاقتصادي الهش ، و يتطلب خطوات وخطط تنموية طويلة المدى تنهض بواقعنا الاقتصادي من خلال إعادة توظيف واستغلال الموارد المتاحة ، وتطوير القطاعات القائمة وإدخال قطاعات اقتصادية جديدة  ، مما يخلق فرص عمل جديدة و انفتاح أوسع على الاقتصاد العالمي و التأثر و التأثير به ، و اللحاق بركب التطوير و النماء .

مصادر :

The Huffington Post
إيمان عمر ريان ، أثر التنويع الاقتصادي على تطوير اقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي .
دراسة صادرة عن المعهد العربي للتخطيط حول التنويع الاقتصادي .